السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
250
مفاتيح الأصول
نسخه أما الأول فلأنّه لو لم يبيّن دوام شرعه لكان إما أن يبين انقطاعه أو لا يبين شيئا منهما والأول باطل وإلا لنقل متواترا لأنه ممّا يتوفر الدواعي على نقله ولما لم ينقل متواترا علم انتفائه والثاني باطل أيضا وإلا لاكتفي من شرعه بالمرة الواحدة لما تقدم من أن الأمر لا يدل على التكرار وهو باطل إجماعا ولعدم قبوله النسخ حينئذ وأما الثاني فلأنه بني معصوم وبيانه الدّوام مع عدمه تلبيس ولا يجوز عليه ثم أجاب عن هذا فقال الجواب المنع من بيانه عليه السلام دوام شرعه والمدعى أنه بيّن انقطاعه ولا يلزم نقله متواترا أمّا أولا فلأن تواتر اليهود انقطع فإنّ بخت نصر قتل أكثرهم ولم يبق منهم إلا شذاذ لا يبلغون عدد التواتر وأما ثانيا فلجواز كون بيان الانقطاع على سبيل الإجمال فلم ينقل متواترا لعدم توفر الدّواعي على نقله الثّالث النسخ وإن كان جائزا عقلا وواقعا سمعا ولكنّه لا إشكال في كونه خلاف الأصل فلا يجوز المصير إليه في موضع الشّك الرابع قال في النهاية اتفق العقلاء على جواز رفع التكاليف بإعدام العقل الَّذي هو شرط التكليف ولا يسمّى نسخا وعلى استحالة أن يكلَّف اللَّه أحدا بالنّهي عن معرفته إلا عند من يجوّز تكليف المحال لأن تكليفه بالنهي عن معرفته يستدعي العلم بنهيه المتوقف على العلم به فإن غير العارف به ممتنع عليه معرفته نهيه وتحريم معرفته متوقف على معرفته وهو دور ممتنع وفيه نظر لأنه لا دور هنا نعم إنه تكليف بالمحال وكذا لا يجوز أن يكلَّفه معرفة شيء من الحوادث على خلاف ما هو به لأنه محال يستحيل فعله وتركه بقي الخلاف في موضعين أحدهما هل يجوز نسخ وجوب معرفته تعالى وشكر المنعم وتحريم الكفر والظلم وغير ذلك مما قيل بوجوبه لحسنه وتحريمه لقبحه وبالجملة ما يجب استمراره على وجه واحد من الأفعال إما لصفة هو عليها كوجوب الإنصاف وقبح الكذب والجهل أو لكونه لطفا لا يتغير كالمعرفة باللَّه تعالى وعدله وتوحيده فمنع عنه المعتزلة كافة للحسن والقبح ورعاية الحكم وربّما بنوا على هذا صحّة إسلام الصّبي فإن وجوبه بالعقل وإن استثناء الصّبي غير ممكن وجوّزه الأشاعرة بناء على نفي الحسن والقبح العقليين وعدم وجوب رعاية الحكمة في أفعاله تعالى الثاني على تقدير جواز نسخ هذه الأحكام هل يجوز من اللَّه بعد أن كلف العبد أن ينسخ عنه جميع التكاليف منع عنه الغزالي لأنه لا يعرف النسخ من لا يعرف الناسخ وهو اللَّه تعالى ويجب على المكلف معرفة النسخ والناسخ والدليل المنصوب عليه فيبقى هذا التكليف بالظاهر قبل ما عليه النسخ وإن قلنا أنه لا يحصل في حق المكلَّف دون علمه يزول فلا يمنع تحقق النسخ بجميع التكاليف في حقّه عند علم النسخ وإن لم يكن مكلَّفا لمعرفة النسخ انتهى مفتاح اختلفوا في جواز النسخ في القرآن بمعنى إمكان نسخ حكم دل القرآن العزيز على ثبوته وفي وقوع ذلك على قولين الأول أنه جائز وواقع وهو للمعارج والتهذيب والنهاية والمبادي وشرحه والمنية والزبدة وغاية المأمول والمعراج ففي النهاية اتفق المسلمون على جواز نسخ القرآن وفي المنية اتفقت الأمة على وقوع النسخ في القرآن العزيز الثاني أنه ليس بواقع ولا جائز الوقوع وهو للمحكي في النهاية والتهذيب والمبادي وشرحه والمنية وغيرها عن أبي مسلم بن بحر الأصفهاني للقول الأول وجوه منها ما تمسّك به في المعارج والنهاية والمبادي والتهذيب والمنية والزبدة وغاية المأمول والمعراج من أنه تعالى أمر المتوفى عنها زوجها بالاعتداد حولا حيث قال والَّذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصيّة لأزواجهم متاعا إلى الحول ثم نسخ ذلك بقوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربّصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا وأورد عليه أبو مسلم على ما حكاه في النهاية والتهذيب والمنية وغيرها بأن حكم الاعتداد بالحول لم يزل بالكليّة فإنّ الزّوجة لو كانت حاملا ومدّة حملها حول اعتدت به ولذا بقي الحكم في بعض الصّور كان تخصيصا فأجاب عن هذا الإيراد في النهاية والتهذيب والمنية وغاية المأمول والإحكام بأن عدة الحامل بعد الأجلين من وضع الحمل ومضي أربعة أشهر وعشرا سواء كان ذلك في أقل من الحول أو فيه إن أمكن فالاعتداد بخصوص الحول زال بالكلَّية ومنها ما تمسّك به في المعارج والتهذيب والمبادي والمنية وغاية المأمول والمعراج من أنه تعالى أمر بتقديم الصّدقة على المناجاة بقوله تعالى يا أيّها الَّذين آمنوا إذا ناجيتم الرّسول فقدّموا بين يدي نجواكم صدقة ثم نسخ ذلك وقد ادعى الاتفاق عليه في الأخير وقال ويدلّ على نسخها قوله تعالى وإذ لم تفعلوا وتاب اللَّه عليكم انتهى وأورد على هذه الحجة أبو مسلم على ما حكاه في النهاية والتهذيب وشرح المبادي والمنية وغيرها بأن وجوب الصدقة إنما زال بزوال سببه وذلك لأن الفرض من هذا الأمر تمييز المؤمنين من المنافقين بالامتثال وعدمه فلما حصل ذلك الامتياز ارتفع ذلك الحكم وأجيب عن هذا الإيراد بوجهين أحدهما ما ذكره في التهذيب والمنية وغاية المأمول والإحكام من أنه لو كان الفرض ما ذكره لزم كون أكابر الصّحابة غير أمير المؤمنين عليه السّلام منافقين وهو باطل اتفاقا واعترض عليه في النهاية فقال وفيه نظر فإنا نقول بفسق من لم يتصدق مع المناجاة ومنع ذلك في أكابر الصّحابة لقصر المدة وثانيها ما حكاه في المعراج عن بعض فقال